ابن كثير
192
البداية والنهاية
عليه ، كما ثبت في العرضة الأخيرة ، وأما إتمامه الصلاة بمكة ، فإنه كان قد تأهل بها ونوى الإقامة فأتمها ، وأما توليته الاحداث فلم يول إلا رجلا سويا عدلا ، وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة وهو ابن عشرين سنة ، وولى أسامة بن زيد بن حارثة . وطعن الناس في إمارته فقال إنه لخليق بالامارة وأما إيثاره قومه بني أمية . فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤثر قريشا على الناس ، ووالله لو أن مفتاح الجنة بيدي لأدخلت بني أمية إليها . ويقال إنهم عتبوا عليه في عمار ومحمد بن أبي بكر ، فذكر عثمان عذره في ذلك ، وأنه أقام فيهما ما كان يجب عليهما . وعتبوا عليه في إيوائه الحكم بن أبي العاص ، وقد نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد نفاه إلى الطائف ثم رده ، ثم نفاه إليها ، قال فقد نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رده ، وروى أن عثمان خطب الناس بهذا كله بمحضر من الصحابة ، وجعل يستشهد بهم فيشهدون له فيما فيه شهادة له . ويروي أنهم بعثوا طائفة من فشهدوا خطبة عثمان هذه ، فلما تمهدت الاعذار وانزاحت عللهم ولم يبق لهم شبهة ، أشار جماعة من الصحابة على عثمان بتأديبهم فصفح عنهم ، رضي الله عنه . وردهم إلى قومهم فرجعوا خائبين من حيث أتوا ، ولم ينالوا شيئا مما كانوا أملوا وراموا ، ورجع علي إلى عثمان ، فأخبره برجوعهم عنه ، وسماعهم منه ، وأشار على عثمان أن يخطب الناس خطبة يعتذر إليهم فيها مما كان وقع من الأثرة لبعض أقاربه ، ويشهدهم عليه بأنه قد تاب من ذلك ، وأناب إلى الاستمرار على ما كان عليه من سيرة الشيخين قبله ، وأنه لا يحيد عنها ، كما كان الامر أولا في مدة ست سنين الأول ، فاستمع عثمان هذه النصيحة ، وقابلها بالسمع والطاعة ، ولما كان يوم الجمعة وخطب الناس ، رفع يديه في أثناء الخطبة ، وقال اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك ، اللهم إني أول تائب مما كان مني ، وأرسل عينيه بالبكاء فبكى المسلمون أجمعون ، وحصل للناس رقة شديدة على إمامهم ، وأشهد عثمان الناس على نفسه بذلك ، وأنه قد لزم ما كان عليه الشيخان ، أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وأنه قد سبل بابه لمن أراد الدخول عليه ، لا يمنع أحد من ذلك ، ونزل فصلى بالناس ثم دخل منزله وجعل من أراد الدخول على أمير المؤمنين لحاجة أو مسألة أو سؤال ، لا يمنع أحد من ذلك مدة . قال الواقدي : فحدثني علي بن عمر عن أبيه قال : ثم إن عليا جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له : تكلم كلاما تسمعه الناس منك ويشهدون عليك ، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة ، فإن البلاد قد تمخضت عليك ، ولا آمن ركبا آخرين يقدمون من قبل الكوفة ، فتقول يا علي اركب إليهم ، ويقدم آخرون من البصرة فتقول يا علي اركب إليهم ، فإن لم أفعل قطعت رحمك واستخففت بحقك . قال : فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها ، وأعلم الناس من نفسه التوبة ، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، أيها الناس ، فوالله ما عاب من عاب شيئا أجهله ، وما جئت شيئا إلا وأنا أعرفه ، ولك ضل رشدي ( 1 ) ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من زل فليتب ، ومن أخطأ فليتب ،
--> ( 1 ) العبارة في الطبري والكامل : ولكني منتني نفسي وكذبتني وضل عني رشدي .